عمر بن أحمد بن أبي جرادة
594
زبدة الحلب من تاريخ حلب
فأمر السّلطان بأن أوسق مركب عظيم من « بيروت » ، واستكثر فيه من السّلاح والأقوات والمقاتلة ، وأظهر عليه زيّ الفرنج وشعارهم ، وأخذ قوم من أسارى الفرنج الّذين في قبضة المسلمين ، فتركوا على ظاهر المركب ، وأنزل معهم في المركب جماعة من المسلمين ممّن يعرف لغة الفرنج ، وتزيّوا بزيّ الفرنج ، وحلقوا شعورهم ، وأخذوا معهم خنازير ، ورفعوا على قلع المركب صليبا . وأوهموا الفرنج أنهم واصلون إليهم نجدة من بلادهم ، وأقلعوا داخلين إلى مرسى « عكا » ، مسلّمين على الفرنج بلغتهم ، مبشّرين لهم بأنّ وراءهم من المدد ، من تشتد به منتهم ، وتعزّ به نصرتهم ، فلم يرتب المحاصرون بذلك ، وأفرجوا لهم عن المرسى « 1 » . فدخلوا إلى « عكا » ، وأوصلوا إلى المسلمين بها ، ما كان معهم من الميرة والسلاح والرجال ، وتمّت هذه الحيلة ، وكانت من الفرص التي لا ينبغي أن تعاود فركن المسلمون إليها ، وطمعوا في أخرى مثلها ، فجهّزوا مركبا عظيما من « بيروت » أيضا ، وأودعوه مثل ما كان قبله من الآلات والسلاح والأقوات بما مبلغ قيمته خمسة آلاف دينار ، وجعل فيه سبعمائة من مقاتله المسلمين . وكان خبرهم قد وصل إلى الفرنج ، فأخذوا عليهم الأرصاد ، فمكثوا أياما يلججون في البحر ، ويقاربون عكّا ، فلا يجدون في الدّخول مطمعا ، حتى صادفتهم مراكب « الانكتير » في حال قدومه من بلاده ، في إحدى
--> ( 1 ) - انظر المحاسن اليوسفية ص 97 .